القاعدة الحادية عشرة: مراعاة
دلالة التضمن والمطابقة والالتزام
الطالب: ..للنافع أن تفهم ما دل عليه اللفظ من
المعاني، فإذا فهمتها فهمًا جيدًا، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل
بدونها، وما يشترط لها.
وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وما ينبني
عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى يصير لك ملكة جيدة في الغوص على
المعاني الدقيقة، فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع
عن الحق حق، ذلك كله حق ولا بد، فمن وفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقًا ونورًا
انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب
الكريمة العالية.
ولنمثل لهذا الأصل أمثلة توضحه، منها: في أسماء الله الحسنى
الرحمن الرحيم، فإنها تدل بلفظها على وصفه بالرحمن وسعة..
الشيخ: بالرحمة.
طالب: والمعارف
الجلية.
الشيخ: إيه؟
الطالب: والمعارف الجلية و(...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...) والمعارف
الجلية والأخلاق.
الشيخ: الجليلة، المعارف الجليلة.
***
الطالب: فإنها تدل بلفظها على وصفه بالرحمة، وسعة
رحمته، فإذا فهمت أن الرحمة التي لا يشبهها رحمة هي وصفه الثابت، وأنه أوصل رحمته
إلى كل مخلوق، ولم يخلُ أحد من رحمته طرفة عين، عرفت أن هذا الوصف يدل على كمال
حياته، وكمال قدرته وإحاطة علمه، ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته؛ لتوقف الرحمة على ذلك
كله، ثم استدللت بسعة رحمته على أن شرعه نور ورحمة، ولهذا يعلل الله تعالى كثيرًا
من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه؛ لأنها من مقتضاها وأثرها.
الشيخ: مقتضاه (...) مقتضاها.
الطالب: عندي (من مقتضاها).
الشيخ:
إي، عائد إلى الرحمة، و(مقتضاه) عندي النسخة، عائد إلى الإحسان.
***
الطالب: ومنها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨]، فإذا فهمت أن الله أمر بأداء الأمانات إلى
أهلها: استدللت بذلك على وجوب حفظ الأمانات، وعدم إضاعتها والتفريط والتعدي فيها،
وأنك لا تنال رضا الله إلا بأدائها لأهلها.
الشيخ:
لا، عندنا: (وأنه لا يتم الأداء لأهلها إلا بذلك).
طالب: (...).
الشيخ: إي، بعد التعديل
فيها؛ لأن رضا الله ما له ذكر هنا.
طالب:
(...).
الشيخ: لا ما ذكر (...) في الآية (...) (وأنه لا
يتم الأداء لأهلها إلا بذلك).
***
الطالب: الأداء لأهلها إلا بذلك وإذا فهمت أن الله
أمر بالحكم بين الناس بالعدل، استدللت..
الشيخ:
أظنه واضح إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَاهل أحفظها وهي عندي؟
طالب: لا.
الشيخ: إيه اللي لا،
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَاهذا أمر بأداء الأمانة هل يستلزم الأمر هذا أن نحفظها، ونحافظ
عليها؟
طلبة: نعم.
الشيخ:
نعم؛ لأنه ما يتم الأداء إلا بذلك، ولهذا لو أعطينتي أمانة ووضعتها على العتبة عند
الباب ما أديتها، طبعًا، فهذا من يقين ما هو الدليل على وجوب حفظ الأمانة في حرز
مثلها، وعدم التعدي فيها وعدم التفريط؟ قلنا: الدليل إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا؛ لأنه
لا يتم الأداء إلا بذلك الالتزام.
***
الطالب: وإذا فهمت أن الله أمر بالحكم بين الناس
بالعدل، استدللت بذلك على أن كل حاكم بين الناس في الأمور الكبار والصغار لا بد أن
يكون عالمًا بما يحكم به، فإن كان حاكمًا عامًّا فلا بد أن يحصل من العلم ما يؤهله
لذلك، وإن كان حاكمًا ببعض الأمور الجزئية كالشقاق بين الزوجين، حيث أمر الله أن
نبعث حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها، فلا بد أن يكون عارفًا بهذه الأمور التي
يريد أن يحكم فيها، ويعرف الطريق التي توصله إلى الصواب منها.
وبهذا بعينه نستدل
على وجوب طلب العلم، وأنه فرض عين في كل أمر يحتاجه العبد؛ فإن الله أمرنا بأوامر
كثيرة ونهانا عن أمور كثيرة.
ومن المعلوم أن امتثال أمره واجتناب نهيه يتوقف على
معرفة المأمور به والمنهي عنه وعلمه، فكيف يُتصور أن يمتثل الجاهل الأمر الذي لا
يعرفه، أو يتجنب الأمر الذي لا يعرفه؟
وكذلك أمره لعباده أن يأمروا بالمعروف
وينهوا عن المنكر، يتوقف ذلك على العلم بالمعروف والمنكر، ليأمروا بهذا، وينهَوْا
عن هذا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يحصل ترك المنهي عنه إلا به فهو
واجب.
فالعلم بالإيمان والعمل الصالح متقدم على القيام به، والعلم بضد ذلك متقدم
على تركه؛ لاستحالة ترك ما لا يعرفه العبد قصدًا وتقربًا وتعبدًا حتى يعرفه ويميزه
عن غيره.
طالب آخر: (...).
الشيخ: إي نعم، كل الأمثلة هذه (...) إذا أمر الله بالصلاة فهو
أمر بها وبما لا تتم إلا به، إذا أمرنا بالزكاة فهو أمر بها وبما لا تتم إلا به،
فهذا الرجل الذي عنده مال يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة، واللي ما عنده مال ما
يجب، إلا إذا كان من باب فروض الكفاية، ما وجدنا أحدًا قام بذلك، والإنسان اللي يجب
عليه الحج يجب عليه أن يتعلم أحكام الحج بخلاف الآخر، وعلى كل حال ما لا يتم الواجب
إلا به فهو واجب، وهذه القاعدة الفقهية الأصولية هي من هذا الباب، دلالته التزام،
فهو وجوب التزام.
الطالب: (...).
الشيخ: ما يمكن يأمر له وهو عالم بالحكم الشرعي، وعالم بالمعروف،
وعالم بالمنكر.
***
الطالب: ومن ذلك الأمر بالجهاد، والحث عليه، من
لازم ذلك الأمر بكل ما لا يتم الجهاد إلا به، من تعلم الرمي بكل ما يرمى به،
والركوب لكل ما يُركب، وعمل آلاته وصناعاته، مع أن ذلك كله داخل دخولَ مطابقة في
قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]، فإنها تتناول كل قوة عقلية وبدنية، وسياسية
وصناعية ومالية ونحوها.
ومن ذلك أن الله استشهد بأهل العلم على توحيده، وقرن
شهادتهم بشهادته، وشهادة ملائكته، وهذا يدل على عدالتهم، وأنهم حجة من الله تعالى
على من كذب بمنزلة آياته وأدلته، ومن ذلك: أن سؤال عباد الرحمن..
الشيخ: وهذا واضح؛ لأن أهل العلم هم الذين تقبل شهادتهم فيما
علموا، أما الجاهل فلا، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما علم، فلا يشهد بما
ظن، إلا أن يشهد به على وجهه، فيقول: هذا الرجل فعل ما تدل القرينة على أنه أتى ما
تدل القرينة على أنه فعل، فالحاصل أن الشاهدة لا بد لها من علم، ولهذا قال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨]؛ أي: شهدوا، أما الجاهل فليس عنده من
الآيات الدالة على وحدانية الله ما يستطيع أن يشهد بذلك.
الطالب: (...).
الشيخ: ما يجوز أن
تستفتي إلا من تعلم أنه عالم أو يغلب على ظنك؛ لأنه قد يكون الإنسان أحيانًا ما يصل
إلى العلم، فإذا أتى بآيات الله يعرف أهلها، ما يمكن يصل إلي العلم، لكن إذا رأى
هذا الرجل يأتي للناس ويستفتونه وهو يفتيهم فهذه قرينة.
***
الطالب: ومن ذلك سؤال عباد الرحمن ربهم أن يجعلهم
للمتقين إمامًا، يقتضي سؤالَهم الله جميع ما تتم به الإمامة في الدين، من علوم
ومعارف جليلة، وأعمال صالحة وأخلاق فاضلة؛ لأن سؤال العبد لربه شيئًا سؤال له ولما
لا يتم إلا به، كما إذا سأل العبدُ اللهَ الجنة، واستعاذ به من النار، فإنه يقتضي
سؤالَه كل ما..
الشيخ: سؤاله فيها ضمير؟
الطالب: إي نعم، فيها ضمير بالنصب.
الشيخ: هي سؤالَهم، بالنصب على كل حال.
طالب: شيخ، هنا إذا سأل الله الجنة؟
الشيخ: ما فيه مانع.
***
الطالب: فإنه يقتضي سؤاله كل ما يقرب إلى هذه
ويبعِّد من هذه، ومن ذلك أن الله أمر بالصلاح والإصلاح، وأثنى على المصلحين
وأخبر..
الشيخ: ومثله أيضًا لو قال الطالب: اللهم
إني أسألك النجاح، ويش يتضمن؟
الطالب: يشمل..
الشيخ: وسائل المذاكرة والمراجعة.
***
الطالب: ومن ذلك أن الله أمر بالصلاح والإصلاح،
وأثنى على المصلحين، وأخبر أنه لا يُصلح عمل المفسدين، فيُسْتدل بذلك على أن كل أمر
فيه صلاح للعباد في أمر دينهم ودنياهم، وكل أمر يُعين على ذلك فإنه داخل في أمر
الله وترغيبه؛ وأن كل فساد وضرر وشر فإنه داخل في نهيه والتحذير عنه، وأنه يجب
تحصيل كل ما يعود إلى الصلاح والإصلاح، بحسب استطاعة العبد، كما قال شعيب صلى الله
عليه وسلم: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨]، ومن ذلك قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣]، حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ [الأنفال: ٦٥].
يقتضي الأمر بكل ما لا تتم البشارة إلا به، والأمر بكل ما فيه
حث وتحريض على القتال، وما يتوقف على ذلك ويتبعه من الاستعداد والتمرن على أسباب
الشجاعة، والسعي في القوة المعنوية من التآلف واجتماع الكلمة، ونحو ذلك.
ومن
ذلك: الأمر بتبليغ الأحكام الشرعية، والتذكير بها، وتعليمها، فإن كل أمر يحصل به
التبليغ وإيصال الأحكام إلى المكلفين يدخل في ذلك، حتى إنه يدخل فيه إذا ثبتت
الأحكام الشرعية، وَوُجدت أسبابها، وكانت تخفى عادة على أكثر الناس، كثبوت الصيام،
والفطر، والحج وغيره بالأهلة إبلاغها بالأصوات والرمي، وإبلاغها بما هو أبلغ من
ذلك، كالبرقيات ونحوها، وكذلك يدخل فيه كل ما..
الشيخ: الشيخ عبد الرحمن رحمه الله دقيق في المسائل هذه، ولا
يستوحش المخترعات العصرية، فهي لما كانت في وقته ينكرون أن تثبت الأهلة في الإذاعة
أو بالبرقيات أو ما أشبه ذلك، ويقول بعضهم: إن البرقيات هذه سحر، حتى أنهم سطوا
عليها وكسروها، وقالوا: هذه شياطين تنقل الصوت، لكن الشيخ رحمه الله ليس على هذا؛
يعني أنه يقول: يجب إذا ثبت الهلال في بلد، يجب أن يعلن عنه بالمدافع والرمي، وكان
الناس في الأول يرمون قبل أن تأتي المدافع هذه، كانوا يرمون في الأسواق يمشون
ويرمون بالبندق.
فالمهم أن هذه الوسائل -وهذه وسائل- ما يقال: هذا بدعة، كما
اشتبه على بعض الناس، الناس يقولون: إن هذه الوسيلة ما هي موجودة في عهد الرسول
وأصحابه، وسيلة حفظ العلم بالأشرطة لحفظ المسجل، هذه ما هي موجودة في عهد الرسول
وأصحابه، فهي إذن بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»
، فالتسجيلات تكون هذه وأشرطتها كلها في النار؛ لأنها
بدعة، هذا صحيح؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن هذه
وسائل..
الشيخ: لأن هذه وسيلة، أنا ما راح أتعبد لله
بأن أضعها في هذا المسجل، وأقول: هذا عبادة، إنما هذه وسيلة، مثلما أن الأقلام
اختلفت في عهد الرسول، يكتبون بماذا؟ بالعيدان وما أشبهها، وقصب العلف وشبهها، أما
الآن فاختلفت الأحوال.
طالب: ولا عندهم ورق.
الشيخ: وكذلك الورق قليل، يكتبون بالعظام يكتبون بالحصى،
باللخاف، وما أشبهها، فالمهم أنه يجب أن نعرف الفرق بين الوسيلة وبين القصد أو
الغاية فوسائل المشروع مشروعة.
الطالب: بالنسبة للبدعة
يا شيخ ممكن تكون هذه قاعدة أن البدعة لا تكون إلا..
الشيخ: إلا ما قصد بذاته، أما ما كان وسيلة لغيره فلا.
الطالب: إضافة (...).
الشيخ: هذه
إضافة، أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
طالب: يا شيخ إذا
قال قائل مثلا: استماعك للقرآن (...) أما هذا ليس بمسلم، يستمع بعضهم البعض (...)
على المسجل فهذا ليس من هدي السلف (...).
الشيخ: لا، إي
نعم، أنا ما أسمع المسجل للتعبد بالاستماع إنما استمع للمسجل لضبط القرآن فقط؛ لأنا
لو أردنا واحدًا قال: بدل من أن نخلي واحد يقرأ ونسمع، نخلي هذا المسجل يقرأ وأنا
أسمع، قد نقول: هذا ليس بمشروع؛ لأن هذا المسجل ما ينال الأجر الآن، وإلا لو قلنا:
إنه يصلح نخليه عند الميكروفون، ويؤذن بدل المؤذن، مثل ما يفعل بعض.. أنا سمعت في
بعض البلاد الإسلامية، ما أدري والله، في بلاد من البلاد الإسلامية، جاعلين المسجل
على الساعة، إذا وصلت الساعة إلى الوقت انفتح ثم أذن هذا المسجل.
طالب: رأيتها يا شيخ (...).
الشيخ:
المهم أن هذا خطأ؛ لأن الأذان عبادة ومثل هذا المسجل ما هو يتعبد، جماد هذا.
الطالب: إذن، فالذي لا يحفظ القرآن يا شيخ ويستمع إلى
المسجل؟
الشيخ: ما فيه شيء.
الطالب: ما فيه شيء.
الشيخ: إي نعم؛
لأنه بيستمع عليه للتلاوة فقط لضبطه، مثلما ينظر إليه في المصحف في الورق كذلك
يسمع.
طالب: (...).
الشيخ:
ما أظن اللهم إلا كان له الأجر بما يكون من قلبه من الخشوع، يمكن، أما أن يقول: إنك
مثل ما لو سمعت واحدا يتلو فليس (...).
طالب: (...) لا
يحسن القراءة (...).
الشيخ: إي نعم، (...)
عليه.
الطالب: ما يعرف يقرأ القرآن.
الشيخ: (...) يحصل له الأجر بما يحصل لقلبه من الخشوع والإنابة
وتدبر المعنى.
***
الطالب: وكذلك يدخل فيه كل ما أعان على إيصال
الأصوات إلى السامعين، من الآلات الحادثة، فحدوثها لا يقتضي منعها، فكل أمر ينفع
الناس فإن القرآن لا يمنعه، بل يدل عليه لمن أحسن الاستدلال والانتفاع به.
وهذا
من آيات القرآن، وأكبر براهينه أنه لا يمكن أن يحدث علم صحيح ينقض شيئًا منه؛ فإنه
يرد بما تشهد به العقول جملة أو تفصيلًا، أو يرد بما لا تهتدي إليه العقول.
وأما
وروده بما تحيله العقول الصحيحة وتمنعه، فهذا محال، والحس والتجربة شاهدان بذلك،
فإنه مهما توسعت الاختراعات وعظمت الصناعات، وتبحرت المعارف الطبيعية، وظهر للناس
فى هذه الأوقات ما كانوا يجهلونه قبل ذلك: فإن القرآن ولله الحمد لا يخبر بإحالته،
بل تجد بعض الآيات فيها إجمال أو إشارات تدل عليه.
وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في
غير هذا الموضع، والله أعلم وأحكم، وبالله التوفيق.
الشيخ: نعم، الكهرباء الشيخ عبد الرحمن تكلم في رسالة عن
الكهرباء وآثارها النافعة، خلاصة هذه القاعدة أن دلالة القرآن على الأشياء ثلاثة
أقسام: مطابقة، وتضمن، والتزام، وأنه ينبغي للإنسان أن يعتني بأنواع هذه الدلالات
حتي يفتح له به في ذلك باب عظيم من العلم، فالأبواب والناس يختلفون في هذا اختلافًا
كثيرًا، فتجد بعض الناس يتكلم على حديث أو على آية يستنبط منها الأحكام وجدت أنه
يأتي بفوائد كثيرة، بينما غيره لا يأتي إلا بقليل، والمعلق ذكر عدة أمثلة في هذا،
خصوصا فيما يتعلق بدلالة الالتزام.
الطالب:
(...).
الشيخ: لا؛ لأن هذه خبيثة، الأخيرة هذه يستخدمها
الشيوعيون لأغراضهم، ظنًّا منهم أن غاياتهم حميدة، فهي كلمة حق لكن قد يراد بها
باطل.
طالب: إذا الإنسان استمع القرآن في المسجل ومر
على آية سجدة هل يسجد؟
الشيخ: نعم يسجد إذا سجد المسجل؛
لأنه إذا لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع، ولهذا قرأ زيد بن ثابت قرأ على النبي صلى
الله عليه وسلم سورة النجم، فلم يسجد فيها؛ لأن زيدًا لم يسجد.
طالب: (...) عدم استماع.
الشيخ: لا
هو يستمع.
طالب: طيب ما هو يناله من الخشوع والتعبد لله
بسبب الاستماع؟
الشيخ: يجيه أجر على هذا الخشوع، ولكن
مثل ما قلت: إن رأيت المسجل ساجدًا فاسجد، وأخبره أنه يشترط له الطهارة عند كثير من
العلماء، فيجوز يتطهر.
طالب: (...).
الشيخ: إي، ولو كان.
طالب:
(...).
الشيخ: لا يا أخي، ما هو بده يقرأ، ولكن المسجل
تمر هذه الآلة على هذا الشريط، ويظهر الصوت فقط، (...) ما هو بنفس الشريط.
طالب: يا شيخ إذا كان هو يقرأ مع المسجل يسجد فيها والناس
تستمع..
الشيخ: إي نعم، إذا قرأه نقول: هذا سجود
القارئ.
الطالب: لكنه يقرأ مع (...).
الشيخ: إي، نعم هذا قد نقول: يسجد؛ لأنه قرأ (...).
طالب: (...).
الشيخ: نعم، إي، تجوز
(...) به عشان ضبط القراءة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا (...) لأجل يضبط القراءة.
طالب: يا شيخ اللي يضبط القراءة ألا يجوز له إنه يستمع
للمسجل؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الذي يضبط القراءة..
الشيخ:
يضبط؟ ربما يمل الإنسان من قراءته، أو ربما تكون قراءة القارئ هذه جيدة، وكثير
الخشوع أو تدبر أكثر.
طالب: أنت قيدت الاستماع للمسجل
بما إذا كان يريد ضبط القراءة، يعني المستمع.
الشيخ:
لا، هو القراءة معه يعني متابعته.
الطالب: لا، بالأول
قلت: ما يجوز التعبد بسماع المسجل إنما إذا أراد..
الشيخ: إي نعم، بالاستماع إليه تعبدًا، لا، إلا فيما يحصل لقلبه
من الخشوع والتدبر، فهذا يؤجر من هذه الناحية، لكن ما هو مثلًا (...) عنده الإنسان،
واتفقوا وإياه على أن يقرأ ليس كذلك؛ لأن هذاك يكون القارئ له بكل حرف عشر حسنات،
والمستمع كذلك.
طالب: (...).
الشيخ: إي، فلا يسجد.
الطالب: ما
يسجد؟
الشيخ: ما يسجد، لا؛ لأنه كما أنه لا يتابعه في
الصلاة فلا يتابعه في السجود.
طالب: (...).
الشيخ: اللفظ على الجميع (...).
الطالب: مثل إن السمع (...) اسم من أسماء الله عز وجل، (...) صفة
السمع وذات السمع.
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...) صفة السمع، وذات السمع تساوي السمع ذاته.
الشيخ: (...) لفظ السميع (...) سميع فهو يدل على ذات؟
الطالب: الصفة.
الشيخ: وعلى الصفة
ونفسها، فدلالته على الذات والصفة جميعًا مطابقة، ودلالته على أحدهما تضمن.
طالب: بما تستوي تضمن الذات والصفة.
الشيخ: لا، التضمن أن يدل اللفظ على جزء معناه.
الطالب: على جزء معناه، بعض معناه.
الشيخ: إي نعم.
***
القاعدة الثانية عشرة: الآيات
القرآنية التي يفهم منها قصار النظر التعارض:
الطالب:
القاعدة الثانية عشرة
الآيات القرآنية التي يفهم منها قُصَّار النظر التعارض
يجب حمل كل نوع منها على ما يليق ويناسب المقام كل بحسبه؛ وهذا في
مواضع متعددة من القرآن؛ منها: الإخبار في بعض الآيات أن الكفار لا ينطقون، ولا
يتكلمون يوم القيامة، وفي بعضها: أنهم ينطقون ويحاجُّون ويعتذرون، ويعترفون، فمحمل
كلامهم ونطقهم أنهم في أول الأمر يتكلمون ويعتذرون، وقد ينكرون ما هم عليه من
الكفر، ويقسمون على ذلك، ثم إذا ختم على ألسنتهم وأفواههم، وشهدت عليهم جوارحُهم
بما كانوا يكسبون، ورأوا أن الكذب غير مفيد لهم، أُخرِسوا فلم ينطقوا.
وكذلك
الإخبار بأن الله تعالى لا يكلمهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة مع أنه أثبت الكلام
لهم معه، فالنفي واقع على الكلام الذي يسرهم ويجعل لهم نوع اعتبار.
وكذلك النظر
والإثبات واقع على الكلام الواقع بين الله وبينهم، على وجه التوبيخ لهم والتقريع،
فالنفي يدل على أن الله ساخط عليهم، غير راض عنهم، والإثبات يوضح أحوالهم ويبين
للعباد كمال عدل الله بهم، إذ وَضَع العقوبة موضعها.
ونظير ذلك أن في بعض الآيات
أخبر أنه لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩]، وفي بعضها: أنه يسألهم ماذا كنتم تعبدون؟ ومَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥]،
ويسألهم عن أعمالهم كلها.
فالسؤال المنفي هو سؤال الاستعلام والاستفهام عن
الأمور المجهولة، فإنه لا حاجة إلى سؤالهم، مع كمال علم الله واطلاعه على ظاهرهم
وباطنهم وجليل أمورهم ودقيقها.
والسؤال المُثْبَت واقع على تقريرهم بأعمالهم،
وتوبيخهم وإظهارِ أن الله حكم فيهم بعدله وحكمته.
ومن ذلك الإخبار في بعض الآيات
أنه لا أنساب بين الناس يوم القيامة، وفي بعضها: أثبت لهم ذلك.
فالمثبت هو
الأمر الواقع والنسب الحاصل بين الناس، كقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥)إلى آخرها [عبس: ٣٤ - ٣٥].
والمنفي هو الانتفاع بها، فإن
الكفار يَدَّعون أن أنسابهم تنفعهم يوم القيامة، فأخبر تعالى أنه لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
ونظير ذلك الإخبار في بعض
الآيات أن النسب نافع يوم القيامة، كما في إلحاق ذرية المؤمنين بآبائهم في الدرجات،
وإن لم يبلغوا منزلتهم؛ وأن الله يجمع لأهل الجنات والدرجات العالية مَنْ صلح من
آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، فهذا لما اشتركوا في الإيمان، وأصل الصلاح زادهم من فضله
وكرمه، من غير أن ينقص من أجور السابقين لهم شيئًا.
الشيخ: وبذلك تظهر الحكمة في قوله تعالى: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٢١]؛
لأنه قد يقول قائل: هادولك يرفعون شوي ودول ينزلون، بيَّن الله أنه لا ينزل، بل
يرفع النازل ولا ينزل المرفوع.
طالب: (...) الذرية
(...).
الشيخ: إي نعم.
***
الطالب: ومن ذلك: الشفاعة؛ فإنه أثبتها فى عدة
مواضع، ونفاها..
الشيخ: (...) بعض العامة يقولون:
إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفر، وأنه لما قارب طلوع الفجر نَوَّخ الناقة،
وتظلل بالناقة؛ عشان ما يشوف الفجر (...).
الطالب: من
الشيطان يا شيخ.
الشيخ: معناه إن لو بغيت تأكل اركض
للحجر الضلمة اللي ما فيه (...).
طالب: الصحابة
(...).
الشيخ: لا، (...).
***
الطالب: ومن ذلك الشفاعة؛ فإنه أثبتها فى عدة
مواضع، ونفاها في مواضع من القرآن، وقيدها في بعض المواضع بإذنه ولمن ارتضى من
خلقه، فتعين حمل المطلق على المقيد، وأنها حيث نفيت فهي الشفاعة التي بغير إذنه،
ولغير من رضي الله قوله وعمله، وحيث أثبتت، فهي الشفاعة التي بإذنه لمن رضيه الله
وأذن فيه.
ومن ذلك أن الله أخبر في آيات كثيرة أنه لا يهدي القوم الكافرين،
والفاسقين، والظالمين، ونحوها.
وفي بعضها: أنه يهديهم ويوفقهم، فتعين حمل
المنفيات على من حقت عليه كلمة الله، لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وحمل
المثبتات على من لم تحق عليه الكلمة.
الشيخ: كلمته
الأزلية؛ يعني الذي قضى عز وجل أنهم في النار فهم لا يؤمنون، (...) القاعدة.
***
الطالب: وإنما حقت كلمة الله بالعذاب والطرد على
من ارتكسوا في حمأة التقليد وغرقوا في بحر الغفلة، وأبوا أن يستجيبوا لداعي آيات
الله الكونية والعلمية فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
الشيخ: هذا
الظاهر من زيادات محمد حامد رحمة الله عليه؛ لأن العبارات هذه ما هي من الشيخ، وأنا
أذكر أن الشيخ رحمه الله حين طبعت وصار فيها هذا الاختلاف أراد أن يقيم عليه دعوى،
من مشهورات الطلبة الكبار اللي أكبر منا وقالوا للشيخ هذا تصرف في الكتاب، ما يمكن،
لكن الشيخ رحمه الله كان ما يحب الإثارات، قال: ما دام ما فيه شيء يفسد
المعنى..
طالب: لا بأس.
الشيخ: نعم؟
الطالب: أقول: لا
بأس.
الشيخ: لا بأس؛ لأن كلمة: (غرقوا في بحار)، وكذا،
هذه ما هي من عبارات الشيخ، الشيخ نعرفه رحمه الله ما يتكلم بمثل هذه العبارات،
(غرقوا في بحار التقليد) الشيخ يعني، هذه عبارة شديدة جدًّا، لكن هذه قطعًا -فيما
أعتقد- إنها من زيادة الشيخ حامد الفقي رحمه الله، إي نعم، ولهذا ما هي موجودة
عندنا بالنسخة.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وحمل المثبتات على من لم تحق عليهم الكلمة، وهذا هو
الحق الذي لا ريب فيه.
طالب: هل يجوز له
التصرف؟
الشيخ: لا، بل ولا يجوز أنه يعلق على الكتاب
إلا بإذن صاحبه، إلا على ما كان خطأ واضحًا.
طالب: حتى
لو عمله في الحاشية؟
الشيخ: حتى لو عمله في الحاشية،
إلا خطأ بينًا واضحًا كمخالفة نص.
طالب:
(...).
الشيخ: إن لم توجد هذه في الأصل المخطوط، لم
توجد هذه العبارة؛ لأنها ما هي طيبة.
طالب: بعض الطلبة
ينقل من الأشرطة ويزودوا (...).
الشيخ: وهذا هو الحق
الذي لا ريب فيه، هذا منتهى اللي عنده (...) حطه في بين قوسين: (هذا ليس موجودًا في
الأصل الذي بخط المؤلف).
طالب: (...).
الشيخ: إي، حتى هذا إذا كان فيه مخالفة للنصّ صح، أما إذا كان
هذا اجتهادًا ما هو صحيح.
طالب: إن كان شرحًا.
الشيخ: لا، شرح لا بأس، نعم أيش تقول؟
الطالب: أقول: أحيانًا (...) زود كلمة أو كلمتين من عنده لتوضح
المعنى.
الشيخ: لا، ما نسمح.
طالب: (...).
الشيخ: والله أما مسألة
التصوير العادي (...)، تطبعوا الكتاب لا، لازم المراجعة، (...) خطأ.
طالب: لو نريد أحيانًا يكون فيه إعادات كثيرة للتوضيح
فتختزل؟
الشيخ: إي نعم، لا بأس هذا ما فيه مانع، إن شاف
أحسن العبارات (...).
طالب: أحيانًا تشرح وبعدين يقول:
خلاصة القول، هذا يكون هو (...)، مش شرط يكون إعادة (...).
الشيخ: صح (...) نجيب واحد (...).
طالب: نظام الحاشية (...) للمراجعة.
الشيخ: لكن طبعه لا بأس (...).
طالب:
(...) طبعوه (...) إسلامية.
طالب آخر: (...) مراجعة
(...) قارنًا بالأشرطة (...).
الشيخ: عجيب.
طالب: (...) عبادات (...).
***
الطالب: ومن ذلك الإخبار في بعض الآيات أنه العلي
الأعلى، وأنه فوق عباده وعلى عرشه، وفي بعضها أنه مع العباد أينما كانوا، وأنه مع
الصابرين والصادقين والمحسنين، ونحوهم؛ فعُلوُّه تعالى أمر ثابت له، وهو من لوازم
ذاته.
ودنوه ومعيته لعباده؛ لأنه أقرب إلى كل أحد من حبل الوريد؛ فهو على عرشه
عَليٌّ على خلقه، ومع ذلك فهو معهم في كل أحوالهم، ولا منافاة بين الأمرين؛ لأن
الله تعالى ليس كمثله شيء فى جميع نعوته، وما يتوهم بخلاف ذلك فإنه في حق
المخلوقين.
وأما تخصيص المعية بالمحسنين ونحوهم، فهي معية أخص من المعية العامة،
تتضمن محبتهم وتوفيقهم، وكلاءتهم، وإعانتهم في كل أحوالهم، فحيث وقعت في سياق المدح
والثناء فهي من هذا النوع، وحيث وقعت في سياق التحذير والترغيب والترهيب فهي من
النوع الأول.
ومن ذلك النهي في كثير من الآيات عن موالاة الكافرين وعن موادَّتهم
والاتصال بهم، وفي بعضها الأمر بالإحسان إلى من له حق على الإنسان منهم، ومصاحبته
بالمعروف، كالوالدين والجار ونحوهم.
فهذه الآيات العامات من الطرفين، قد وضحها
الله غاية التوضيح في قوله: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْالآية [الممتحنة: ٨-٩].
فالنهي واقع على التولِّي والمحبة
لأجل الدين، والأمر بالإحسان والبر واقع على الإحسان لأجل القرابة أو لأجل الجيرة
أو الإنسانية على وجه لا يُخل بدين الإنسان.
ومن ذلك: أنه أخبر في بعض الآيات أن
الله خلق السماوات..
الشيخ: كيف قوله الآن: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْالفرق
بين البر والإقساط، البر زيادة الفضل، والإقساط العدل، فمثلا: إذا أحسنوا إلينا
نحسن إليهم، إذا كان لهم حق نحسن إليهم، وأما الثاني: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْأَنْ تَوَلَّوْهُمْولم يقل:
أَنْ تَبَرُّوهُمْحتى هؤلاء ربما يكون في الإحسان
إليهم خير، لكنهم ليسوا كالأولين، والموالاة لجميع الكفار محرمة، والمودة لجميع
الكفار محرمة.
طالب: يا شيخ بالنسبة للقسط، الذي يقسط
بمعنى العدل، يكون مفرده قاسط.
الشيخ: مقسط، اسم الفاعل
منه مقسط، وأما قَسَط يقسط فاسم الفاعل منه قاسط، وهذا الجائر.
طالب: طيب يا شيخ موالاة الفرق الضالة كالرافضة؟
الشيخ: ما يجوز موالاتهم إذا كان بدايتهم يكفرون، هو ما
يجوز.
الطالب: إلحاق الكفار بالنصارى يجوز؟
الشيخ: نعم.
***
الطالب: ومن ذلك: أنه أخبر في بعض الآيات أن الله
خلق الأرض ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وفي بعضها أنه لما أخبر عن خلق
السماوات أخبر أن الأرض بعد ذلك دحاها.
فهذه الآية تفسر المراد، وأن خلق الأرض
متقدم على خلق السماوات، ثم لما خلق الله السماوات بعد ذلك دحا الأرض، فأودع فيها
جميع مصالحها المحتاج إليها سكانها.
ومن ذلك: أنه تارة يخبر أنه بكل شيء عليم،
وتارة يخبر بتعلق علمه ببعض أعمال العباد، وببعض أحوالهم؛ وهذا الأخير فيه زيادة
معنى، وهو يدل على المجازاة على ذلك العمل، سواء كان خيرًا أو شرًّا، فيتضمن مع
إحاطة علمه الترغيب والترهيب.
ومن ذلك: الأمر بالجهاد في آيات كثيرة، وفي بعض
الآيات الأمر بكف الأيدي، والإخلاد إلى السكون؛ فهذه حين كان المسلمون ليس لهم قوة
ولا قدرة..
يا شيخ نقول: سواء كان خيرًا أم شرًّا ولا (أو)؟
الشيخ: يجوز، الصواب: الأكثر أم شرًّا.
الطالب: يجوز (أو) يعني؟
الشيخ: نعم
يجوز.
***
الطالب: ولا قدرة على الجهاد باليد، والآيات
الأخرى حين قووا وصار..
الشيخ: قَوَوا ولا
قَوُوا؟
الطالب: دي قوَوا (...)، الظاهر
قوَوا.
طالب آخر: قوُوا.
الشيخ: أنت تقول: رضوُا ولا رضَوا؟
الطالب: رضُوا.
الشيخ:
رضُوا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، وتقول: رَضِي وقَوِي، فإذن قوُوا.
***
الطالب: والآيات الأخرى حين قووا وصار ذلك عين
المصلحة، والطريق إلى قمع الأعداء.
ومن ذلك: أنه تارة يضيف الأشياء إلى أسبابها
التي وقعت وتقع بها، وتارة يضيفها إلى عموم قدره، وأن جميع الأشياء واقعة بإرادته
ومشيئته، فيفيد مجموع الأمرين إثبات التوحيد، وتفرد الباري بإيقاع الأشياء بقدرته
ومشيئته وإثبات الأسباب والمسببات، والأمرَ بالمحبوب منها، والنهي عن المكروه،
وإباحةَ مستوى الطرفين، فيستفيد المؤمن الجد والاجتهاد في الأخذ بالأسباب النافعة،
وتدقيق النظر وملاحظة فضل الله في كل أحواله، وألا يتكل على نفسه في أمر من الأمور،
بل يتكل على الله ويستعين بربه.
وقد يخبر أن ما أصاب العبد من حسنة فمن الله،
وما أصاب من سيئة فمن نفسه، ليعرف عباده أن الخير والحسنات والمحاب تقع بمحض فضله
وجوده، وإن جرت ببعض الأسباب الواقعة من العباد فإنه هو الذي أنعم بالأسباب، وهو
الذي يسرها، وأن السيئات -وهي المصائب التي تصيب العبد- فإنما أسبابها من نفس
العبد، وبتقصيره في حقوق ربه، وتعديه لحدوده، فالله وإن كان هو المقدر لها، فإنه قد
أجراها على العبد بما كسبت يداه، ولهذا أمثلة يطول عدها.
طالب: (...).
الشيخ: سابقة، هو أن
القرآن جاءت فيه آيات ظاهرها التعارض؛ يعني أن بعضها يعارض بعضًا، وهذا شيء لا يمكن
في القرآن ولا في صحيح السنة أن تتعارض النصوص؛ لأن الله يقول: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، أما من عند الله فليس فيه
اختلاف.
والعلماء رحمهم الله يذهبون إلى الجمع بين هذه النصوص التي ظاهرها
التعارض إما باختلاف الأحوال، أو باختلاف الأشخاص، أو باختلاف الأسماء، أو باختلاف
الأمكنة، فهذه أربع حالات لا تعدو هذه الأحوال، يكون هذا اللي ظاهره الاختلاف أنها
تكون كل واحدة منها تنزل على أيش؟ على حال، أو في زمان؛ يعني في وقت دون وقت، أو في
مكان، أي في مكان دون مكان، أو في أشخاص، يكون هذا بالنسبة لشخص وهذا بالنسبة لشخص
آخر، وقد ألف الشنقيطي رحمه الله كتابًا سماه: دفع إيهام الاضطراب في آي
الكتاب جمع فيه الآيات التي قيل: إنها متعارضة؛ يعني أن ظاهرها التعارض، وجمع
بينها.
والجمع كما تعلمون قد يكون متكلفًا وبعيدًا، وقد يكون قريبًا حسب ما يوفق
الإنسان له، والمهم أن لدينا قاعدة ثابتة راسخة وهي أيش؟ أن القرآن لا يمكن أن
يتعارض؛ لأن التعارض معناه دفع بعضه بعض، وهذا لا يمكن؛ لأنه كلام من عند الله عز
وجل، ولكن ما ظاهره التعارض ينزل على أيش؟ على اختلاف الأحوال أو الأوقات أو
الأماكن أو الأشخاص، والمؤلف رحمه الله الشيخ عبد الرحمن السعدي ذكر أمثلة كثيرة من
هذا النوع، وذكر كيف يجمع بين هذه الآيات التي ظاهرها التعارض.
***
القاعدة الثالثة عشرة: طريقة
القرآن في الحجاج والمجادلة مع أهل الأديان الباطلة
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين،
قال رحمه الله تعالى:
القاعدة الثالثة عشرة
طريقة القرآن في الحجاج والمجادلة مع أهل الأديان الباطلة
قد أمر الله بالمجادلة بالتي هي أحسن، ومن تأمل الطرق التي نصب الله
المحاجَّة بها مع المبطلين على أيدي رسله رآها من أوضح الحجج، وأقواها، وأقومها،
وأدلها على إحقاق الحق وإزهاق الباطل، على وجهٍ لا تشويش فيه ولا إزعاج.
فتأمل
محاجة الرسل مع أممهم وكيف دعَاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من جهة أنه
المتفرد بالربوبية، والمتوحد بالنعم، وهو الذي أعطاهم العافية، والأسماع والأبصار،
والعقول والأرزاق، وسائر أصناف النعم، كما أنه المنفرد بدفع النقم، وأن أحدًا من
الخلق ليس يقدر على رفع ولا دفع، ولا ضر ولا نفع، فإنه بمجرد معرفة العبد ذلك
واعترافه به لا بد أن ينقاد للدين الحق، الذي به تتم النعمة، وهو الطريق الوحيد
لشكرها.
وكثيرًا ما يحتج على المشركين في شركهم وعبادتهم لآلهتهم من دون ربهم
بإلزامهم باعترافهم بربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء، والرازق لكل شيء، فيتعين أن
يكون هو المعبود وحده.
فانظر إلى هذا البرهان، كيف ينتقل الذهن منه بأول وهلة
إلى أنه لا تنبغي العبادة إلا لمن هذا شأنه..
الشيخ: طيب عندي (إلى وجوب عبادة من هذا شأنه)، أحسن،
(إلى وجوب عبادة من هذا شأنه).
طالب: لمن ولّا
من هذا شأنه.
الشيخ: من هذا شأنه، الكتابة واحدة، وأظن
الانتقال هذا واضح جدًّا، مثلًا لو أن رجلًا يعبد صنمًا نقول له: هل هذا الصنم هل
أوجدك؟ هل خلقك؟ سيقول: لا، هل هو الذي يرزقك ويعافيك ويدفع عنك النقم؟ سيقول: لا،
من الذي يفعل ذلك؟ سيقول: الله، فإذا قال: إن ذلك هو الله، قلنا: إذن يجب عليك أن
لا تعبد إلا الله، ما دمت تعترف أن النعم التي أمدك الله بها والنقم التي دفعها
الله عنك قبل أن تصيبك ورفعها عنك بعد أن أصابتك، ما دمت تعترف أنها من الله فإن
الواجب عليك ألا تعبد إلا إياه، وأظن هذا واضح جدًّا، ولهذا يقول الله عز وجل
أحيانا: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: ٦١]، إذا ذكر
إقرارهم بالربوبية قال: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَأو
فـأَنَّى يُصْرَفُونَيعني: كيف يصرفون عن الحق مع
وضوحه.
***
الطالب: ويجادل المبطلين أيضًا بذكر عيب آلهتهم،
وأنها ناقصة من كل وجه لا تغني عن نفسها -فضلا عن عابديها- شيئا، ويقيم الأدلة
على..
الشيخ: هذا أيضًا من أسباب الإلزام بعبادته
وحده، من وجوه الإلزام بعبادته وحده أن يقال: هذه الآلهة التي تعبد هل هي تنفعك؟
ويش هو الجواب؟ بل هي ناقصة، هي بنفسها ناقصة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]،
شوف، نقص في القدرة، زيادة على ذلك نقص في الضعف، ما يستطيعون ولا يدافعون عن
أنفسهم، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، مع أن الذباب من أهون الحشرات وأحقرها، ومع ذلك
إذا سلب هذه الأصنام شيئًا وأخذه منها ما استنقذوه منه، وهذا مثل عظيم إذا تأملته
عرفت أن جميع ما يُعبد من دون الله لا يستحق أن يكون ربًّا ولا معبودًا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما حاجة،
هذه بعض من زيادة الشيخ الله يرحمه.
***
طالب: ويقيم الأدلة على أهل الكتاب بأن لهم من
سوابق المخالفات لرسلهم ما لا يستغرب معه مخالفتهم لرسوله الخاتم محمد صلى الله
عليه وسلم، الذي جاء مصدقًا لما سبقه من الرسالات التي مقصدها جميعًا واحد، وهو فك
أغلال التقليد عن قلوب بني آدم..
الشيخ: هذه من
عبارات الطابع، وذلك ما يوجد عندنا هذه.
***
الطالب: وهو فك أغلال التقليد عن قلوب بني آدم
لينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بالتفكر في آيات ربهم، فيعرفوا بذلك أنه الإله
الحق، وأن كل ما اتخذه الناس بوحي شياطين الإنس والجن من آلهة، فلا يخرج شيء منها
عن أن يكون أثرًا من آثار هذه الآيات، وأنها لذلك لا تليق بأي وجه لمشاركة ربها
وخالقها في الإلهية، ولا ينبغي أن تعطى إلا حقها في المخلوقية والعبودية.
وأن
الخالق الذي ليس كمثله شيء هو المستحق لكل أنواع العبادة، وأن لا يعبد إلا بما أحب
وشرع.
وينقُضُ على رؤساء المشركين ودعاة الباطل دعاويهم الباطلة وتزكيتهم
لأنفسهم بالزور، ببيان ما يضادُّ ذلك من أحوالهم وأوصافهم، ويجادلهم بتوضيح الحق
وبيان براهينه، وأن صدقه وحقيقته تدفع بمجردها جميع الشبه المعارضة له، فماذا بعد
الحق إلا الضلال؟
وهذا الأصل في القرآن كثير، فإنه يفيد فى الدعوة للحق، ورد كل
باطل ينافيه.
ويجادلهم بوجوب تنزيل الأمور منازلها، وأنه لا يليق أن يجعل
للمخلوق العبد الفقير العاجز من كل وجه، شيئًا من حقوق الرب الخالق الغني الكامل من
جميع الوجوه.
ويتحداهم أن يأتوا بكتاب أو شريعة أهدى وأحسن من هذا الكتاب ومن
هذه الشريعة، وأن يعارضوا القرآن فيأتوا بمثله إن كانوا صادقين، ويأمر نَبِيَّه
بمباهلة من ظهرت مكابرته وعناده فينكصون عنها، لعلمهم أنه رسول الله الصادق، الذي
لا ينطق عن الهوى وأنهم لو باهلوه لهلكوا.
وفي الجملة لا تجد طريقًا نافعًا فيه
إحقاق الحق وإبطال الباطل إلا وقد رسمه القرآن على أكمل الوجوه..
الشيخ: المباهلة هي مأخوذة من الابتهال إلى الله سبحانه وتعالى،
وهي المبالغة في الدعاء، وصورتها أن يأتي المتخاصمان، ويقول بعضهم لبعض: لنتباهل،
ونقول: اللهم من كان منا كاذبًا فعليه لعنة الله، وما أشبه ذلك مما يدعون به على
الكاذب.
وقد أشار الله إليها في قوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤]، والآية الثانية: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: ٦١].
الخلاصة هذه القاعدة في
بيان مجادلة القرآن ومحاجته للمخالفين، وأنها من أبين المجادلات وأوضحها وأقومها
حجة، ومن طريقة القرآن في المجادلة أنه يعدل إلى الطريق الذي لا نزاع فيه عن الطريق
الذي فيه النزاع، حتى وإن أمكن إقناع الخصم بما فيه النزاع فإنه يدعه، ويأتي
بالطريق الواضح مثاله: محاجة إبراهيم الذي حاجَّ إبراهيم في ربه: إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]؛ يعني: فأنا مثل ربك. كيف يحيي
ويميت هذا الرجل الظالم، يقول: إنه يؤتى إليه بالرجل مستحقًّا للقتل فيعفو عنه،
وهذا -على زعمه- إحياء، ويؤتى إليه بالرجل غير جانٍ على نفسه ولا غيره، ولا يستحق
القتل فيقتله وهذا على زعمه إماتة.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما ذهب ليحاجّه
في هذه النقطة، ولو حاجّه إبراهيم لغلبه بلا شك؛ لأن هذا ليس إحياء ولا إماتة، غاية
ما هنالك في المسألة الأولى الذي استحق القتل فلم يقتله أنه رفع عنه القتل، والذي
أبقى الحياة فيه من؟ الله، لو شاء الله لمات، وفي الثانية أيضًا، غاية ما فيه أنه
فعل سببًا يقتضي أن يموت هذا الرجل فقط، وليس هو الذي أماته هو الذي أحياه، فبإمكان
إبراهيم أن يجادل على هذه النقطة، لكنه عدل إلى أمر يفحمه، ولا يستطيع التخلص منه،
فقال له إبراهيم: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨]، ويش قال؟ قال:
أجيبها الليل عشان أرجعه؟ لا، بُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: ٢٥٨].
فهنا ينبغي عند
المحاجة -خصوصًا إذا عرفت أن الذي يحاجك لا يريد إلا أن ينصر قوله- ينبغي أن تعدل
عن الطريق الذي يحتاج إلى جدل إلى طريقٍ واضح ما يجتاح إلى جدل، حتى لو قلت: أنا
بَحَاجُّه لِأَن يقذف لنا بهذه الحجة، نقول له: حاجَّه ما دام المقصود الوصول إلى
إفحام الخصم، فإذا أراد أن يسد علينا طريقًا بإمكاننا أن نفتحه، فلنرجع إلى إيش؟
إلى طريق آخر ما يستطيع أن يسده.
طالب: (...).
الشيخ: لا إفحامه معناه أن يصل به الأمر إلى التعب، ولهذا عندما
يركض الواحد ويش نقول؟
طلبة: فَحِم.
الشيخ: فَحِم.
***
القاعدة الرابعة عشرة: حذف
المتعلق المعمول فيه: يفيد تعميم المعنى المناسب له
الطالب:
القاعدة الرابعة عشرة
حذف المتعلق المعمول فيه: يفيد تعميم المعنى المناسب له
وهذه قاعدة مفيدة جدًّا، متى اعتبرها الإنسان في الآيات القرآنية أكسبته فوائد
جليلة، وذلك أن الفعل وما هو معناه متى قيد بشيء تقيد به، فإذا أطلقه الله تعالى،
وحذف المتعلق كان القصد من ذلك التعميم، ويكون الحذف هنا أحسن وأفيد كثيرًا من
التصريح بالمتعلقات، وأجمع للمعاني النافعة.
ولذلك أمثلة كثيرة جدًّا، منها: أنه
قال في عدة آيات: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [النور: ٦١]، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: ١٥٢]، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١].
فيدل ذلك على أن المراد: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَعن الله كل ما أرشدكم
إليه وكل ما علمكموه، وكل ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة، ولَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَفلا تنسون ولا تغفلون،
فتكونون دائمًا متيقظين مُرْهفي الحواس، تحسون كل ما تمرون به من سنن الله وآياته،
فتذكرون جميع مصالحكم الدنيوية والدينية، ولَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَجميع ما يجب اتقاؤه من
الغفلة والجهل والتقليد، وكل ما يحاول عدوكم أن يوقعكم فيه من جميع الذنوب
والمعاصي، ويدخل في ذلك ما كان سياق الكلام فيه وهو فرد من أفراد هذا المعنى
العام.
ولهذا كان قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]. يفيد كل ما قيل في حكمة
الصيام، أي: لعلكم تتقون المحارم عمومًا، ولعلكم تتقون ما حرم الله على الصائمين من
قول الزور والعمل به، ومن كل الأحوال والصفات السيئة الخبيثة، وتتقون وتجتنبون
المفطرات والممنوعات، ولعلكم تتصفون بصفة التقوى، وتحصلون على كل ما يقيكم مما
تكرهون، وتتخلقون بأخلاقها..
الشيخ: أنا أرى أنكم
الزيادات هذه تتحط بين قوسين.
طالب: قال رحمه الله تعالى:
ولعلكم تتقون ما
حرم على الصائمين من المفطرات والممنوعات، ولعلكم تتصفون بصفة التقوى، وتتخلقون
بأخلاقها، وهكذا سائر ما ذكر فيه هذا اللفظ مثل قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، أي: المتقين
لكل ما يُتقى من الكفر والفسوق والعصيان، المؤدين للفرائض والنوافل التي هي خصال
التقوى.
وكذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]؛ أي: إن الذين كانت التقوى وصفهم، وترك المحارم
شعارهم، متى زين لهم الشيطان بعض الذنوب تذكروا كل أمر يوجب لهم المبادرة إلى
المتاب كعظمة الله، وما يقتضيه الإيمان وما توجبه التقوى، وتذكروا عقابه ونكاله،
وتذكروا ما تحدثه الذنوب من العيوب والنقائص، وما تسلبه من الكمالات، فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَمن أين أُتوا،
و(مبصرون) الوجه الذي فيه التخلص من هذا الذنب الذي وقعوا فيه، فبادروا بالتوبة
النصوح فعادوا على مرتبتهم وعاد الشيطان خاسئًا مدحورًا.
وكذلك ما ذكره على وجه
الإطلاق عن المؤمنين، وبلفظ (المؤمنين) أو بلفظ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) ونحوها،
فإنه يدخل فيه جميع ما يجب الإيمان به من الأصول والعقائد، مع أنه قيد ذلك في بعض
الآيات مثل قوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: ١٣٦]، الآية ونحوها.
وكذلك ما أمر به من الصلاح
والإصلاح، وما نهى عنه من الفساد والإفساد مطلقًا، يدخل فيه كل صلاح، كما يدخل في
النهي كل فساد وكذلك قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣]، وَأَحْسِنُوا [البقرة: ١٩٥]، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس: ٢٦]،
هَلْ جَزَاءُ الْإحْسَانِ إِلَّا الْإحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، يدخل في ذلك كله: الإحسان في عبادة الخالق بأن
تعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان إلى المخلوقين بجميع
وجوه الإحسان من قولٍ وفعلٍ وجاه، وعلمٍ ومالٍ وغيرها، وكذلك قوله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ [التكاثر: ١]، فحذف
المتكاثَر به ليعم جميع ما يقصد الناس فيه المكاثرة: من الرياسات والأموال والجاه
والضيعات، والأولاد، وغيرها مما تتعلق به أغراض النفوس ويلهيها عن طاعة الله، وكذلك
قوله: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١، ٢]، أي في خسارة من جميع الوجوه، إلا من اتصف بالإيمان
والعمل الصالح..
الشيخ: شوف، ولهذا قال: لَفِي خُسْرٍفجعل الخسر ظرفًا له، (في)، والظرف محيط
بالمظروف؛ يعني أن الإنسان منغمس في الخسر، والخسر محيط به من كل جانب إلا من اتصف
بهذه الصفات الأربعة: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣].
الطالب: إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح
والتواصي بالحق، والصبر.
وقوله: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، فذكر
المسؤولين وأطلق المسؤول عنه، ليعم كل ما يحتاجه العبد ولا يعلمه، وكذلك أمره تعالى
بالصبر ومحبته للصابرين وثناؤه عليهم..
الشيخ: شوف
(ليعم كل ما يحتاجه العبد ولا يعلمه).
طالب:
مكتوب عندنا: (أن يعلمه).
الشيخ: عندي خطأ في
الكلمات كلها (كل ما يحتاجه) مكتوبة جميعًا، وهي ما تكتب جميعًا إلا إذا
كانت شرطية، مثل: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة: ٢٠]، كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ [الملك: ٨]، أما إذا كانت (كل) بمعنى الإحاطة،
فإن (كل) تكتب وحدها و(ما) وحدها.
طالب: مثل
أيش؟
الشيخ: مثل كل اسم، وكل مضاف وما اسم موصول مضاف
إليه.
طالب: وكذلك أمره تعالى بالصبر ومحبته للصابرين
وثناؤه عليهم..
الشيخ: طيب (كل ما يحتاجه العبد
ولا يعلمه) من أمور الدنيا والآخرة.
الطالب: وثناؤه عليهم وبيان كثرة أجرهم، من غير أن
يقيد ذلك بنوع، ليشمل أنواع الصبر الثلاثة؛ وهي الصبر على طاعة الله، وعن معصيته،
وعلى أقداره المؤلمة، ومقابل ذلك ذمه للكافرين، والظالمين، والفاسقين، والمشركين،
والمنافقين، والمعتدين ونحوهم، من غير أن يقيده بشيءٍ، ليشمل جميع ذلك
المعنى.
ومن هذا قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [البقرة: ١٩٦]؛ ليشمل كل حصر، فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة: ٢٣٩] ليعم كل خوف.
وقد يقيد ذلك ببعض الأمور، فيتقيد به ما سيق الكلام
لأجله.
وهذا شيء كثير لو ذهبنا نذكر الأمثلة لطالت، ولكن قد فتح لك الباب، فامش
على هذا السبيل المفضي إلى رياض بهيجة من أصناف العلوم.
الشيخ: ويلتحق بهذه القاعدة أن الحكم المعلق بوصف يدل على
عِلِّية ذلك الوصف فيه، فمثلًا إذا قلت: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الذاريات: ١٥] أي: أهل تقواهم، فالحكم المعلق بوصف
يدل على علِّية ذلك الوصف لهذا الحكم، ويدل أيضًا على أنه يعم بعمومه، يعم بعموم
هذا الوصف، وأنه يقوى كلما قوي ذلك الوصف، ويضعف كلما ضعف.
ومنها أيضًا مما لم
يذكر المؤلف؛ لأنه أشار إلى أن الأمثلة كثيرة قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: ٦ - ٨]، لم يقل: ألم يجدك يتيمًا
فآواك، وضالًّا فهداك وعائلًا فأغناك؛ لأن الذي حصل من هذا حصل له ولغيره، فإن الله
تعالى آواه وآوى به أيضًا ولّا لا؟ آواه وآوى به، فهو فئة كل مؤمن، وهو ملجأ كل
مؤمن فيما يقدر عليه، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىهداه
وحده ولّا هداه وهدى به؟ هداه وهدى به، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىبه، وأغناه أيضًا هو، أغناه وأغنى به، ولهذا قال الرسول عليه
الصلاة والسلام للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا
فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ
فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟» فهذه فائدة، لو قال: فهداك، ألم يجدك يتيمًا فآواك،
ووجدك ضالًّا فهداك، ووجدك عائلًا فأغناك صار مخصصًا، فلما حذف المتعلق صار عامًّا.
***
القاعدة الخامسة عشرة: جعل الله الأسباب للمطالب العالية مبشرات لتطمين القلوب وزيادة الإيمان
01:33:08
الطالب:
القاعدة الخامسة عشرة
جعل الله الأسباب للمطالب العالية مبشرات، لتطمين القلوب، وزيادة
الإيمان، وهذا في عدة مواضع من كتابه.
فمن ذلك: النصر، قال في إنزال الملائكة:
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ [الأنفال: ١٠]، وقال في أسباب الرزق
والمطر..
الشيخ: واضح أنها بشرى لهم بالنصر في
المستقبل، وكذلك لتطمئن به قلوبكم في الحاضر، فإن الإنسان إذا علم أن الملائكة..